القاضي عبد الجبار الهمذاني
145
تثبيت دلائل النبوة
ورب وخالق ورازق ، وان اللّه ثالث ثلاثة ، وانه قتل وصلب . وقد قال صاحبكم في كتابكم : « أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ » « 1 » فقالت النصارى : فهذا كذب ، فانا وإن قلنا فيه انه إله فما قلنا في أمه انها إله . قيل له : ما خبر عنهم انهم قالوا ذلك ، وما هاهنا خبر فيقع فيه صدق أو كذب ، وإنما قال « أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ » وليس هذا خبرا ، ولا من لا يعرف من العربية قليلا ولا كثيرا ، وإنما ظاهر هذا القول الاستفهام والاستعلام ، واللّه جل ثناؤه لا يجوز عليه ذلك ، لأنه إنما يستعلم ويستفهم من لا يعلم ما استفهم وسأل عنه ، وإنما معناه التقرير لاستخراج الجواب من المسؤول . وهذا كقوله لموسى صلى اللّه عليه : « وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى » « 2 » وهو عز وجل اعلم بذلك من موسى . ولقوله لإبليس : « ما مَنَعَكَ / أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ » « 3 » وإذ أمرك ، وهو عز وجل اعلم من إبليس بالمانع له فقال للمسيح : هل قلت هذا في نفسك أو في أمك الوالدة لك وهي أخص الناس بك وأوجبهم حقا عليك وأجلهم عندك ، لتتبين براءة ساحته عليه السلام من كل وجه . فقد بطل ما ظنه السائل من أن هذا خبر وهذا جواب شاف كاف . وأيضا ففي النصارى من قد قال بمعنى هذا وان لم يصرح بلفظه ، لأنهم قالوا إن مريم صفت حين قبلت الجوهر الإلهي وولدته ، وكل جوهر لا يقبل
--> ( 1 ) المائدة 116 ( 2 ) طه 17 ( 3 ) الأعراف 12 ، وقد أثبتت القراءتين : إذ أمرتك وإذ امرك